أن تكون المرأة امرأة في سوق العمل قد يعني مواجهة تمييز قائم على النوع الاجتماعي، لكن في كوريا الجنوبية يمكن أن يضاف عامل آخر مع التقدم في العمر: أن تصبح «كبيرة في السن» وفق معايير سوق العمل.
هذا ما وثقته منظمة «هيومن رايتس ووتش» في تقريرها الصادر سبتمبر 2026 بعنوان «Too Old and a Woman»، الذي تناول ما وصفته المنظمة بالتمييز المنهجي ضد النساء بسبب النوع والعمر، وكيف تتراكم آثار التمييز على المرأة طوال حياتها المهنية حتى تصل إلى مراحل عمرية تتقلص فيها فرص العمل وتزداد هشاشة الوظائف المتاحة.
التمييز يبدأ قبل سن التقاعد
لا يبدأ الأمر عند بلوغ المرأة سنًا معينة، وفق التقرير، وإنما يتراكم خلال مسيرتها المهنية؛ من فرص التعليم والتوظيف، إلى انقطاع المسار الوظيفي بسبب مسؤوليات الأسرة، ثم محدودية فرص الترقية والوصول إلى المناصب القيادية، وفجوات الأجور والمعاشات، وصولًا إلى التحرش الجنسي في مكان العمل.
وبمرور السنوات، تتحول هذه الفجوات المتراكمة إلى وضع أكثر صعوبة بالنسبة إلى النساء الأكبر سنًا.
وتقول «هيومن رايتس ووتش» إن فرص العمل المتاحة للنساء تضيق كلما تقدم بهن العمر، وتتركز في وظائف مثل مراكز الاتصال، والعمل في المتاجر، والمطابخ المدرسية، والتنظيف والرعاية.
وفي الفئات العمرية الأكبر، تصبح الخيارات أكثر محدودية، بينما تتجه الوظائف المتاحة إلى الأعمال منخفضة الأجر والأكثر هشاشة.
وتروي المنظمة حالة تشونغ سون-تشا، البالغة 87 عامًا، التي بدأت في منتصف السبعينيات من عمرها في جمع الورق ومواد إعادة التدوير من الشوارع بعدما لم تتمكن من العثور على عمل آخر بسبب سنها.
حين يجتمع العمر والنوع الاجتماعي
تستخدم «هيومن رايتس ووتش» مفهوم «التمييز العمري القائم على النوع الاجتماعي» لوصف التقاء التمييز ضد المرأة بالتمييز بسبب العمر.
فالمرأة لا تصل إلى مرحلة الشيخوخة المهنية وهي تبدأ من نقطة مساوية للرجل؛ إذ تكون قد حملت معها آثار سنوات من فجوات الأجور، والانقطاع عن العمل بسبب مسؤوليات الرعاية، ومحدودية فرص الترقية، والفجوة في المعاشات.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في نظام التقاعد الإلزامي، الذي يفرض على العاملين في بعض الوظائف التقاعد عند سن 60 عامًا أو أكثر، بينما تشير المنظمة إلى أن هذا النظام يؤثر بصورة أكبر على النساء اللاتي يعانين أصلًا فجوات في الأجور والمعاشات.
وتورد المنظمة حالة بارك جاي-سون، التي تقاعدت عند سن 60 عامًا من شركة مرافق كانت تتقاضى فيها 55 مليون وون سنويًا، ثم انتقلت إلى العمل في مجال الرعاية بدوام جزئي مقابل 15.6 مليون وون سنويًا.
ولا تقتصر المشكلة على التقاعد نفسه، إذ يمكن لنظام «الأجر الذروي» أن يؤدي إلى خفض أجور بعض العاملين قبل سن التقاعد الإلزامي، وهو ما يعني أن المرأة قد تواجه انخفاضًا في الدخل قبل أن تغادر وظيفتها الأساسية.
مجتمع يتقدم في العمر وسوق عمل تضيق أمام النساء
تأتي هذه المشكلة في مجتمع يشهد تغيرًا ديموغرافيًا سريعًا. ووفق بيانات أوردتها «هيومن رايتس ووتش»، كان 25% من سكان كوريا الجنوبية في سن 65 عامًا فأكثر خلال 2025، وكانت النساء يمثلن 57% من هذه الفئة العمرية.
كما تبلغ نسبة الفقر النسبي بين النساء في سن 66 عامًا فأكثر نحو 45%، مقارنة بـ33% بين الرجال في الفئة العمرية نفسها، وفق تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي أوردها التقرير.
وتشير المنظمة كذلك إلى أن النساء الأكبر سنًا يواجهن ظروف عمل أكثر هشاشة، تشمل العقود قصيرة الأجل والعمل بالساعة والأجور المنخفضة وضعف الحماية الاجتماعية والتمثيل النقابي.
وفي الخلفية، تلعب الصور النمطية المتعلقة بالمرأة والعمر دورًا في تحديد الوظائف التي ينظر إليها باعتبارها «مناسبة» للنساء الأكبر سنًا، فتتجه الخيارات تدريجيًا إلى أعمال الرعاية والتنظيف والخدمات، وهي مجالات ترتبط تاريخيًا بالأدوار المنزلية التي تؤديها النساء دون أجر.
ولا تقف المشكلة عند سوق العمل؛ فالتوقعات الاجتماعية من المرأة في كوريا الجنوبية تستمر مع تقدم العمر، بدءًا من رعاية الأبناء والآباء في منتصف العمر، وصولًا إلى رعاية الأحفاد والزوج وأعمال المنزل.