تواجه اقتصادات الأسواق الناشئة والبلدان النامية تحديًا غير مسبوق في توفير فرص العمل، مع توقع وصول نحو 1.2 مليار شاب إلى سن العمل خلال الفترة من 2025 إلى 2035، في وقت لا تتجاوز فيه الوظائف المتوقع توفيرها نحو 420 مليون وظيفة، ما يضع الحكومات أمام فجوة واسعة تتطلب تغييرًا في سياسات الاستثمار والتشغيل، وفق تقرير «تحدي الوظائف العالمي» الصادر عن البنك الدولي في يونيو 2026.
ويشير التقرير إلى أن القضية لا تتعلق فقط بزيادة أعداد الباحثين عن العمل، وإنما بقدرة الاقتصادات على تحويل النمو السكاني إلى قوة إنتاجية، من خلال توفير وظائف لائقة ومستدامة، وربط التعليم والتدريب باحتياجات سوق العمل، وتوسيع قدرة الشركات على الاستثمار والتوظيف. ويحذر من أن تعثر هذه الجهود قد يحد من فرص الحد من الفقر، ويضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في حين يمكن أن تتحول الزيادة السكانية إلى محرك للنمو إذا توافرت فرص العمل المناسبة.
أزمة تتجاوز نقص الوظائف
يوضح التقرير أن التحدي الحالي يأتي في ظروف اقتصادية أكثر تعقيدًا من الفترات السابقة التي شهدت دخول أعداد كبيرة من الشباب إلى سوق العمل؛ إذ تواجه العديد من الاقتصادات الأكثر تأثرًا انخفاض مستويات الدخل الفردي، وارتفاع أعباء الديون، ومحدودية الموارد المتاحة أمام الحكومات لتوسيع الإنفاق والاستثمار.
وتتزامن هذه الضغوط مع تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، وصعوبة الاعتماد على نماذج النمو التقليدية القائمة على التصدير وحده، فضلًا عن التحولات الهيكلية والتكنولوجية، بما فيها التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي والتحول في قطاع الطاقة، وهي عوامل تزيد حالة عدم اليقين بشأن طبيعة الوظائف التي ستتوافر مستقبلًا والمهارات المطلوبة لشغلها.
لكن التقرير لا ينظر إلى الزيادة المتوقعة في أعداد الشباب باعتبارها عبئًا حتميًا؛ إذ يشير إلى أن هذه الفئة تتمتع بمستويات تعليم أفضل مقارنة بأجيال سابقة، وتمتلك إمكانات يمكن أن تدعم الإنتاج والنمو لعقود، بشرط توفير فرص حقيقية للاستفادة من مهاراتها وقدراتها.
أفريقيا في قلب التحدي السكاني
تكشف التقديرات الواردة في تحليل البنك الدولي أن التغيرات السكانية لا تتوزع بالتساوي بين مناطق العالم؛ فبينما تواجه بعض الاقتصادات تراجعًا في أعداد السكان في سن العمل، تتجه الزيادة المستقبلية بصورة أكبر نحو مناطق أخرى، وفي مقدمتها أفريقيا جنوب الصحراء.
ووفق تحليل نشره البنك الدولي في يوليو 2026، يُتوقع أن تسهم أفريقيا جنوب الصحراء بنحو 75% من الزيادة في أعداد السكان في سن العمل عالميًا خلال الفترة الممتدة حتى عام 2050، بإضافة نحو 625 مليون شخص إلى هذه الفئة العمرية. كما يُنتظر أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا زيادة ملحوظة، إلى جانب استمرار نمو أعداد السكان في سن العمل في جنوب آسيا، وإن كان بوتيرة أبطأ.
وتعني هذه التحولات أن سياسات التشغيل لن تكون قابلة للتطبيق بصورة موحدة في جميع الدول؛ فالمناطق التي تشهد نموًا سريعًا في أعداد الشباب تحتاج إلى تسريع وتيرة خلق الوظائف وتوسيع الاستثمارات، بينما تواجه الاقتصادات التي يتراجع فيها عدد السكان في سن العمل تحديات مختلفة، من بينها ضعف مشاركة الشباب في النشاط الاقتصادي وارتفاع احتياجات السكان الأكبر سنًا.
ولا تتوقف المشكلة عند عدد الوظائف المتاحة؛ إذ يشير التحليل إلى أن زيادة أعداد الشباب لا تعني بالضرورة دخولهم جميعًا إلى سوق العمل، فبعضهم يظل خارج التعليم والتدريب والعمل، وهو ما يمثل طاقة بشرية غير مستغلة، ويزيد أهمية السياسات التي تساعد الشباب على الانتقال من الدراسة إلى العمل والإنتاج.
لماذا لا تكفي زيادة النمو الاقتصادي؟
يربط التقرير بين خلق الوظائف وقدرة الشركات على العمل والتوسع والاستثمار بثقة، معتبرًا أن توافر التمويل وحده لا يضمن زيادة فرص التشغيل ما لم تصاحبه بنية تحتية مناسبة، وقواعد تنظيمية واضحة، وبيئة اقتصادية تسمح للمشروعات بالنمو.
ويشير إلى أن نقص الكهرباء الموثوقة، وضعف شبكات النقل والاتصال، ومحدودية الخدمات الصحية والتعليمية، قد تعوق الاستثمارات الخاصة حتى في الأسواق التي تتوافر فيها فرص للنمو. كما أن عدم وضوح القواعد المنظمة للنشاط الاقتصادي أو تغيرها بصورة يصعب توقعها قد يزيد المخاطر أمام المستثمرين، ويؤجل قرارات التوسع والتوظيف.
ومن هنا، يطرح البنك الدولي استراتيجية تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: الاستثمار في البنية التحتية المادية والبشرية والرقمية، وتهيئة بيئة أعمال تساعد الشركات على الاستثمار، ثم حشد رؤوس الأموال الخاصة لتمويل المشروعات القادرة على التوسع وخلق الوظائف.
5 قطاعات مرشحة لخلق فرص العمل
حدد التقرير خمسة قطاعات تتمتع بإمكانات كبيرة لتوفير فرص العمل على نطاق واسع، هي البنية التحتية والطاقة، والأعمال الزراعية، والرعاية الصحية، والسياحة، والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة.
ويستند اختيار هذه القطاعات إلى قدرتها على توليد فرص عمل مباشرة وغير مباشرة عبر سلاسل الإنتاج والخدمات المرتبطة بها. فمشروعات البنية التحتية والطاقة لا تقتصر آثارها على العمالة المطلوبة لتنفيذها، بل تساعد كذلك على تحسين بيئة الاستثمار وخفض تكاليف التشغيل أمام الشركات.
وفي قطاع الزراعة والأعمال الزراعية، يمكن أن يتيح تطوير الإنتاج والتصنيع والتخزين والنقل فرصًا تتجاوز النشاط الزراعي التقليدي. كما أن التوسع في الرعاية الصحية والسياحة والتصنيع يفتح المجال أمام وظائف متنوعة تتطلب مستويات مختلفة من التعليم والتدريب والمهارات المهنية.
لكن التقرير يشدد على أهمية تكييف السياسات مع ظروف كل دولة واحتياجاتها، بدلًا من التعامل مع القطاعات الخمسة باعتبارها وصفة واحدة تصلح لجميع الاقتصادات.
المشروعات الصغيرة والتمويل الخاص في المواجهة
يضع البنك الدولي القطاع الخاص في قلب استراتيجية توفير الوظائف، مع التركيز على المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، باعتبارها جزءًا أساسيًا من النشاط الاقتصادي ومصدرًا مهمًا للتوظيف.
ويؤكد التقرير أن توسيع قدرة هذه المشروعات على النمو يتطلب توفير التمويل المناسب، وتقليل المخاطر التي تواجه المستثمرين، وتيسير القواعد المنظمة للأعمال، إلى جانب دعم البنية التحتية والخدمات التي تحتاجها الشركات لزيادة الإنتاجية والوصول إلى أسواق جديدة.
وتشمل أدوات التمويل التي يمكن أن تساعد على تحقيق ذلك الاستثمارات المباشرة، والتمويل الميسر، والضمانات، وأدوات التأمين ضد المخاطر السياسية، بما يساعد على توجيه رؤوس الأموال إلى الشركات والقطاعات التي تمتلك فرصًا أكبر للنمو وتوفير الوظائف.
وفي هذا الإطار، يبرز دور المؤسسات التنموية في جذب استثمارات إضافية من القطاع الخاص، من خلال تقليل المخاطر الفعلية والمتصورة، ودعم الإصلاحات التنظيمية وتمويل المشروعات الأساسية. فالحكومات، وفق هذا التصور، لا تستطيع وحدها توفير الوظائف المطلوبة، لكنها تستطيع تهيئة الظروف التي تسمح للشركات بإنشائها والتوسع فيها.
التعليم والتدريب.. من الشهادة إلى الوظيفة
لا يقتصر التحدي على توفير عدد أكبر من الوظائف، وإنما يمتد إلى مدى توافق المهارات التي يمتلكها الشباب مع احتياجات أصحاب الأعمال. ولذلك يربط التقرير بين الاستثمار في رأس المال البشري وبين سياسات التشغيل، مع التركيز على التدريب المرتبط بالطلب الفعلي في سوق العمل.
ويستشهد البنك الدولي بتجربة مركز لتنمية المهارات في مدينة بوبانيشوار الهندية، تدعمه الحكومة والقطاع الخاص، ويتولى تدريب نحو 38 ألف شخص سنويًا. ويستهدف المركز ربط التدريب باحتياجات سوق العمل، بما يساعد الخريجين على الحصول على وظائف أو تأسيس مشروعاتهم الخاصة، مستفيدين من التدريب في مجالات الهندسة والتصنيع والملكية الفكرية.
وتوضح التجربة أهمية الانتقال من التدريب بمعزل عن سوق العمل إلى برامج تستند إلى احتياجات الشركات والقطاعات الإنتاجية، بما يزيد فرص استفادة المتدربين من المهارات المكتسبة. كما تعكس ضرورة مشاركة أصحاب الأعمال في تحديد المهارات المطلوبة، حتى لا تنتهي برامج التدريب إلى تخريج أعداد جديدة دون فرص مناسبة للتوظيف.
التغيرات السكانية
ويحذر التقرير من أن عدم التعامل المبكر مع التغيرات السكانية قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على المؤسسات، وزيادة الهجرة غير النظامية والصراعات وانعدام الأمن، في ظل اتساع الفجوة بين تطلعات الشباب والفرص الاقتصادية المتاحة أمامهم.
وفي المقابل، يرى أن توفير الوظائف يمكن أن ينعكس على الاقتصادات النامية من خلال زيادة الدخول، وتحسين مستويات المعيشة، وتوسيع الطلب المحلي، ومنح الشباب حافزًا لبناء مستقبلهم داخل بلدانهم. كما يمكن أن تستفيد الاقتصادات المتقدمة من نمو الأسواق الناشئة، عبر توسيع التجارة وخلق أسواق جديدة وتعزيز سلاسل الإمداد وتقليل الضغوط المرتبطة بالهجرة وعدم الاستقرار.
ويشير التقرير إلى أن أكثر من 85% من سكان العالم قد يعيشون في البلدان النامية بحلول عام 2050، وهو ما يعني توسعًا كبيرًا في قاعدة العمالة والمستهلكين والأسواق المستقبلية، إذا نجحت هذه الدول في تحويل نموها السكاني إلى إنتاج وفرص اقتصادية.
ويخلص البنك الدولي إلى أن التحدي لا يرتبط بغياب الفرص الاقتصادية بقدر ارتباطه بقدرة الدول والمؤسسات والمستثمرين على توفير الشروط اللازمة لاستغلالها؛ فالبنية التحتية، والإصلاحات التنظيمية، وتطوير المهارات، وحشد التمويل الخاص، تمثل مسارات متكاملة لمواجهة فجوة الوظائف.
وبينما لا يمكن الجزم بمسار سوق العمل خلال العقد المقبل، فإن حجم الزيادة المتوقعة في أعداد الشباب يجعل التحرك المبكر ضرورة اقتصادية وتنموية. فإما أن تتحول هذه الزيادة إلى قوة إنتاجية تدعم النمو وتحد من الفقر، أو أن تصبح الفجوة بين السكان والوظائف مصدرًا لضغوط اجتماعية واقتصادية يصعب احتواؤها لاحقًا.