في غزة، لم تترك الحرب للنساء مهمة النجاة من القصف والنزوح فقط، وإنما دفعت بعضهن أيضًا إلى البحث عن طرق جديدة لتوفير دخل للأسرة بعد فقدان مصادر الرزق أو فقدان الأزواج. وبين الخيام ومراكز الإيواء، تحولت مهارات بسيطة مثل الخياطة إلى وسيلة للبقاء، بعدما أصبحت القدرة على توفير الطعام والعلاج والاحتياجات اليومية مرتبطة بامتلاك أي مصدر دخل ممكن.
وتروي الأمم المتحدة، من خلال مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، قصة فاطمة، المعروفة باسم «أم محمود»، التي كانت تعمل في خياطة الملابس من منزلها في حي الشجاعية قبل الحرب. وكان دخلها يساعد زوجها الذي يعاني مرض السرطان وأطفالها الذين يحتاجون إلى رعاية طبية، لكن النزوح المتكرر أفقدها منزلها وماكينة الخياطة ومصدر دخلها.
الحرب قطعت مصدر الرزق
لم تكن الخياطة بالنسبة إلى أم محمود مجرد عمل منزلي، وإنما مصدرًا أساسيًا لشراء الطعام وتغطية احتياجات أسرتها الطبية. ومع انتقال الأسرة من منطقة إلى أخرى بحثًا عن الأمان، بدأت الديون تتراكم، فيما لم يعد لديها المكان أو الأدوات التي تسمح لها باستئناف عملها.
وتوضح «أوتشا» أن أسرتها انتقلت من شرق غزة إلى تل الهوا، ثم إلى مدينة غزة والنصيرات ورفح، وصولًا إلى دير البلح، في سلسلة من عمليات النزوح التي رافقت الحرب.
وفي ظل هذا الوضع، حصلت أم محمود على مساعدة نقدية بلغت ألف شيكل من خلال جمعية التنمية الزراعية «PARC»، بتمويل من صندوق الأمم المتحدة الإنساني للأرض الفلسطينية المحتلة.
لكنها لم تستخدم المبلغ للاستهلاك فقط؛ بل حولته إلى وسيلة لاستعادة عملها، فصنعت ماكينة خياطة بسيطة باستخدام عجلة دراجة وطاولة خشبية.
وبدأت بعد ذلك في عرض منتجاتها على جيرانها داخل مخيم النزوح في دير البلح، لتعود تدريجيًا إلى العمل وتوفر من خلاله ما يكفي لتغطية جزء من احتياجات أسرتها.
من ماكينة الخياطة إلى مصدر دخل
تكشف قصة أم محمود جانبًا من العلاقة بين المساعدات الإنسانية وسبل كسب الرزق في أوقات الحرب. فالمساعدة النقدية لم تكن بالنسبة إليها مجرد مبلغ لتأمين الاحتياجات اليومية، وإنما رأس مال صغير أعاد إليها أداة العمل.
وتشير تجربة الخياطة إلى أن بعض النساء في غزة يحاولن استخدام المهارات التي يمتلكنها قبل الحرب لاستعادة جزء من استقلالهن الاقتصادي، حتى في ظروف النزوح وغياب الاستقرار.
وتقول أم محمود، وفق القصة التي نشرتها «أوتشا»، إنها تطمح إلى توسيع مشروعها، والحصول على ألواح شمسية لتوفير الطاقة، ومكان مخصص للعمل بدلًا من الخيمة، وغرفة لقياس الملابس للزبائن.
هذه الطموحات تبدو بسيطة مقارنة بحجم الأزمة، لكنها بالنسبة لامرأة فقدت منزلها ومصدر دخلها تمثل محاولة لاستعادة مساحة من الحياة الطبيعية.
النساء يبحثن عن دخل وسط الأزمة
وتأتي تجربة أم محمود في سياق أوسع؛ فبيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة تشير إلى أن الحرب دفعت أعدادًا كبيرة من النساء في غزة إلى تحمل مسؤوليات اقتصادية أكبر، مع ارتفاع عدد الأسر التي تعولها النساء.
وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن عشرات الآلاف من الأسر أصبحت تعولها نساء بعد فقدان الأزواج أو مصادر الدخل، فيما تواجه النساء النازحات صعوبات أكبر في الحصول على الغذاء والسيولة النقدية والخدمات الأساسية.
كما وثقت هيئة الأمم المتحدة للمرأة حصول آلاف الأسر التي تعولها نساء على مساعدات غذائية ذات أولوية، بعدما أظهرت بيانات النوع الاجتماعي أن النساء المعيلات كن من الفئات الأكثر صعوبة في الوصول إلى المساعدات.
وفي هذه الظروف، لا تبدو الخياطة مجرد مهنة قديمة تعود إليها النساء، وإنما واحدة من الطرق التي تحاول من خلالها بعض الفلسطينيات استعادة مصدر دخل وسط واقع حوّل أبسط الاحتياجات اليومية إلى تحدٍ مستمر.
فماكينة الخياطة المصنوعة من عجلة دراجة وطاولة خشبية لا تعيد ما فقدته الحرب، لكنها تمنح صاحبتها فرصة لاستعادة جزء من قدرتها على إعالة أسرتها، وتحويل مهارة بسيطة إلى مصدر رزق في مكان أصبح فيه العمل نفسه شكلًا من أشكال الصمود اليومي.