لم تعد الحرب في السودان بالنسبة إلى كثير من النساء مجرد خطر أمني يهدد الحياة، وإنما تحولت إلى أزمة اقتصادية يومية تمتد إلى مكان العمل والسوق والطريق والزبون ورأس المال.
فمع استمرار الحرب منذ أبريل 2023، اضطرت نساء كثيرات إلى البحث عن مصادر دخل بديلة، بينما فقدت أخريات الأسواق التي اعتدن العمل فيها، أو الزبائن، أو وسائل النقل، أو القدرة على شراء البضائع التي يبعنها.
وفي اقتصاد يعتمد فيه عدد كبير من النساء على الأعمال الصغيرة وغير الرسمية، يمكن لأي اضطراب في السوق أن يتحول سريعًا إلى أزمة داخل المنزل.
من السوق إلى إعالة الأسرة
تؤدي النساء في السودان دورًا اقتصاديًا أكبر مما يظهر في الأرقام الرسمية، خصوصًا في القطاع غير الرسمي الذي يشمل التجارة الصغيرة وبيع الأغذية والمنتجات المحلية والخدمات اليومية.
وتكتسب هذه الأنشطة أهمية خاصة في مناطق النزوح والحرب، حيث لا توجد دائمًا وظائف ثابتة أو مؤسسات قادرة على توفير دخل منتظم.
وتشير اندبندنت عربية في تقرير إلى أن الحرب أثرت على الأسواق وطرق الإمداد والتنقل والوصول إلى رأس المال والزبائن، بينما اضطرت بعض النساء إلى تقليص حجم تجارتها أو نقلها إلى أماكن أكثر أمنًا أو الاعتماد على أعمال منزلية ومتفرقة للحفاظ على الدخل. وهنا تتحول المرأة من صاحبة مشروع صغير إلى خط دفاع اقتصادي عن الأسرة.
الحرب ترفع تكلفة العمل
المشكلة لا تتوقف عند فقدان السوق أو انخفاض عدد الزبائن. فالمرأة التي تبيع الطعام أو الملابس أو المنتجات المحلية تحتاج إلى شراء البضائع، ونقلها، والوصول إلى مكان البيع، ثم العودة إلى المنزل. ومع الحرب، تصبح كل خطوة أكثر تكلفة.
ارتفاع أسعار النقل يعني أن جزءًا أكبر من الدخل يذهب للوصول إلى السوق. وصعوبة الحصول على البضائع تعني ارتفاع تكلفة شرائها. وانخفاض القدرة الشرائية لدى المستهلكين يعني أن البضاعة قد تبقى دون بيع.
وبذلك تجد المرأة نفسها في دائرة ضيقة: تكاليف أعلى، زبائن أقل، ومخاطر أكبر.
فالمرأة التي كانت تمتلك مكانًا معروفًا للبيع قد تصل إلى منطقة جديدة لا تعرف فيها أحدًا، ولا تمتلك فيها قاعدة من الزبائن. وقد تفقد كذلك أدوات العمل أو البضاعة التي كانت تمثل كل رأس مالها. وتصبح إعادة بناء النشاط الاقتصادي أكثر صعوبة عندما تكون الأسرة نفسها بحاجة إلى الإنفاق على الطعام والسكن والعلاج والتعليم، فلا يبقى من المال ما يسمح بإعادة الاستثمار في مشروع صغير.
ولهذا فإن خسارة مشروع نسائي صغير خلال الحرب قد تعني فقدان مصدر الدخل الوحيد للأسرة.
عبء العمل لا يتوقف عند السوق فبعد ساعات البيع أو الإنتاج، تعود المرأة إلى مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال وإعداد الطعام ومتابعة احتياجات أفراد الأسرة.
وهذا يخلق ما يمكن وصفه بالعبء المزدوج: المرأة مطالبة بتأمين الدخل، وفي الوقت نفسه تظل مسؤولة عن جزء كبير من الرعاية الأسرية.
وفي بيئة الحرب والنزوح، تصبح هذه المسؤوليات أكثر صعوبة، لأن الخدمات التي يمكن أن تساعد الأسرة تتراجع، بينما ترتفع الاحتياجات.
الاقتصاد غير الرسمي كشبكة نجاة
ورغم كل هذه الضغوط، لا يمكن النظر إلى النشاط الاقتصادي للنساء فقط بوصفه ضحية للحرب. فالسوق غير الرسمي أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر إحدى وسائل البقاء، والنساء جزء أساسي من هذه الشبكة.من خلال بيع الطعام والملابس والمنتجات المحلية، أو تقديم خدمات صغيرة، تحاول النساء توفير دخل يمكن أن يغطي احتياجات الأسرة الأساسية.
لكن استمرار هذه الأنشطة يحتاج إلى بيئة أكثر استقرارًا، وإلى إمكانية الوصول إلى الأسواق والتمويل ووسائل النقل، وإلى حماية من المخاطر التي قد تجعل العمل نفسه مصدرًا للخطر.
عندما يصبح الرزق معركة
الحرب في السودان لا تدمر البيوت والمرافق فقط، وإنما تعيد تشكيل العلاقة بين المرأة والعمل والأسرة.
فالمرأة التي كانت تعمل لتحسين دخل أسرتها قد تصبح فجأة المعيل الأساسي لها، والمرأة التي كانت تدير مشروعًا صغيرًا قد تجد نفسها تبدأ من الصفر في مدينة أو مخيم جديد.
وفي هذه الحالة، لا يصبح السؤال فقط: كيف تستطيع النساء العمل أثناء الحرب؟ بل: كيف يمكنهن الحفاظ على مصدر الدخل عندما تتغير الأسواق والطرق والزبائن والقدرة الشرائية من حولهن؟