في وقت تتواصل فيه تداعيات الحرب على قطاع غزة، جاء فوز الحقوقية والقاضية الجنوب إفريقية نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026، بمثابة صفعة على وجه الاحتلال الاسرائيلي، ويعيد تسليط الضوء على دور القانون الدولي في مساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة، وعلى حدود العدالة حين تتقاطع مع المصالح السياسية للقوى الكبرى.
وأعلنت لجنة نوبل النرويجية، في 9 أكتوبر 2026، منح الجائزة لبيلاي، تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي، وإسهامها في دعم ملاحقة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية. ويكتسب التكريم دلالة خاصة في ظل رئاستها السابقة للجنة تحقيق أممية خلصت إلى أن سلطات الاحتلال ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وفق تقرير صدر في سبتمبر 2025.
من مقاومة الفصل العنصري إلى الدفاع عن العدالة الدولية
وُلدت نافي بيلاي عام 1941 في مدينة ديربان بجنوب إفريقيا، ونشأت في ظل نظام الفصل العنصري الذي كرس التمييز والإقصاء على أساس العرق. ومن واقع تجربتها مع التمييز، اتجهت إلى دراسة القانون والعمل في الدفاع عن الحقوق والحريات، لتصبح لاحقًا واحدة من أبرز الشخصيات القانونية في مجال العدالة الدولية.
وبدأت بيلاي مسيرتها المهنية محامية، دافعت عن معارضي نظام الفصل العنصري، قبل أن تنتقل إلى العمل القضائي وتتولى مناصب دولية بارزة، من بينها رئاسة المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، والعمل قاضية في المحكمة الجنائية الدولية، ثم تولي منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان بين عامي 2008 و2014، وفق السيرة المهنية المنشورة على الموقع الرسمي للأمم المتحدة.
وتكتسب تجربتها أهميتها، نظرا لدورها في مسار العدالة الجنائية الدولية، ولا سيما في القضايا التي تناولت العنف الجنسي خلال النزاعات المسلحة. فقد أسهمت الأحكام الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لرواندا في ترسيخ الاعتراف بأن الاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي قد يشكلان أفعالًا تدخل في جريمة الإبادة الجماعية، متى توافرت الشروط القانونية اللازمة.
ويعكس هذا المسار تحولًا مهمًا في التعامل مع الانتهاكات التي تتعرض لها النساء أثناء الحروب، من اعتبارها أضرارًا جانبية للنزاع إلى النظر إليها بوصفها جرائم تستوجب التحقيق والمساءلة.
تقرير أممي يضع جرائم الاحتلال في غزة تحت المجهر
ترأست بيلاي اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية. وفي 16 سبتمبر 2025، نشرت اللجنة تقريرًا خلص إلى أن سلطات الاحتلال ارتكبت أربعة من الأفعال الخمسة المحددة في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها.
واستند التقرير، المنشور عبر موقع الأمم المتحدة، إلى تحقيقات في عمليات القتل، وإلحاق الأذى الجسدي والنفسي الجسيم، وفرض ظروف معيشية تستهدف تدمير الفلسطينيين كليًا أو جزئيًا، واتخاذ تدابير تستهدف منع الإنجاب. وخلصت اللجنة إلى توافر القصد المطلوب قانونًا لارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، بينما رفضت سلطات الاحتلال هذه الاستنتاجات.
نوبل للسلام.. رمزية التكريم وحدود التأثير
يحمل فوز بيلاي رسالة تتجاوز مسيرتها الشخصية، إذ يعيد التأكيد على أهمية القانون الدولي في مواجهة الجرائم الجسيمة، وعلى ضرورة حماية المؤسسات القانونية من الضغوط التي قد تحد من قدرتها على أداء مهامها.
غضب عارم في اسرائيل
وفي نفس السياق، هاجمت وزارة خارجية الاحتلال منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، ووصفت القرار بأنه «تسليح بشع للجائزة» بهدف إضفاء الشرعية على الكراهية والتحيز.
وقالت في بيان نشرته عبر منصة «إكس» إن بيلاي ستكون مرشحة بارزة لو وجدت جائزة للأكاذيب والكراهية و«افتراءات الدم»، معتبرة أن لجنة نوبل كافأت ما وصفته بـ«أكبر كذبة في القرن الحادي والعشرين»، واختتمت بيانها بالقول إن جوزيف جوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، «يصفق بالتأكيد من جهنم».
ومن جانبه، قال مكتب رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إن لجنة نوبل «فقدت بوصلتها الأخلاقية»، واتهم بيلاي باختلاق ونشر ما وصفه بـ«افتراءات الدم»، وذلك على خلفية رئاستها لجنة تحقيق أممية خلصت في تقرير صدر عام 2025 إلى أن سلطات الاحتلال ارتكبت إبادة جماعية في قطاع غزة، وهي النتائج التي رفضها الاحتلال.