يتناول بحث «خوارزميات المنصات وعنف المعايير الجمالية: دراسة في العنف الرمزي وتحولات الهوية البصرية للمرأة»، الذي أعدته الباحثة رحمة محمود، تأثير المنصات الرقمية وخوارزميات التواصل الاجتماعي في تشكيل معايير الجمال المعاصرة، وانعكاسات ذلك على نظرة المرأة إلى جسدها وهويتها ومكانتها الاجتماعية. وينطلق البحث من أن الصور والمقاطع المنتشرة عبر منصات مثل «إنستغرام» و«تيك توك» لم تعد مجرد وسيلة للترفيه والتواصل، بل أصبحت إحدى الأدوات المؤثرة في تشكيل التصورات المتعلقة بالجمال والمظهر المقبول اجتماعيًا.
وتشير الباحثة إلى أن الانتشار الواسع لفلاتر التجميل والصور المعدلة رقميًا أسهم في ترويج نماذج متشابهة للوجوه والأجسام، تقوم على بشرة خالية من العيوب، وملامح متناسقة وفق مقاييس محددة، وقوام يقترب من الصورة المثالية التي تعرضها الإعلانات والمحتويات الرائجة. وترى أن التعرض المتكرر لهذه الصور قد يخلق فجوة بين المظهر الطبيعي للمرأة والصورة الرقمية المعدلة، بما يؤثر على رضاها عن ذاتها ويدفعها إلى التعامل مع بعض السمات الطبيعية باعتبارها عيوبًا تحتاج إلى التغيير.
العنف الرمزي وتسليع الجسد
وتوضح الباحثة رحمة محمود أن فهم هذه الظاهرة يتطلب التوقف أمام مفهوم العنف الرمزي، المرتبط بأطروحات عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، والذي يشير إلى أشكال السيطرة غير المباشرة التي تؤثر في تصورات الأفراد واختياراتهم دون استخدام الإكراه المادي المباشر. وفي البيئة الرقمية، قد تتجسد هذه السيطرة في تكرار نماذج جمالية بعينها، ومنحها مساحة أكبر من الانتشار والتفاعل، بما يسهم في ترسيخها باعتبارها معايير طبيعية للقبول والجاذبية.
ويربط البحث بين هذه الآليات وطبيعة الاقتصاد الرقمي القائم على جذب انتباه المستخدمين وزيادة فترات بقائهم على المنصات. فبحسب طرح الباحثة، يمكن أن يتحول القلق بشأن المظهر إلى فرصة تجارية تستفيد منها قطاعات الإعلان ومستحضرات التجميل والإجراءات التجميلية، إذ يجري تسويق منتجات وخدمات تقدم للمرأة باعتبارها حلولًا لعيوب قد تكون نتاجًا للمقارنة المستمرة بالصور المعدلة، وليس لمشكلات حقيقية في مظهرها.
ومن هذا المنطلق، يناقش البحث مفهوم «تسليع الجسد»، الذي يعني التعامل مع الجسد باعتباره مساحة للاستهلاك والاستثمار التجاري، بدلًا من النظر إليه باعتباره جزءًا من الهوية الإنسانية التي تتسم بالتنوع والاختلاف. وترى الباحثة أن ربط الجمال بالمنتجات والإجراءات التجميلية قد يدفع بعض النساء إلى الدخول في دائرة متكررة من الإنفاق والتعديل، دون الوصول إلى الشعور بالرضا عن المظهر.
الفلاتر الرقمية وصناعة صورة غير واقعية عن الذات
ويتناول البحث دور فلاتر التجميل في تغيير إدراك المرأة لمظهرها، إذ تتيح هذه الأدوات تعديل تفاصيل الوجه والبشرة والقوام بصورة فورية، ما قد يجعل الصورة الافتراضية أكثر حضورًا في الوعي من المظهر الطبيعي. ومع تكرار استخدام الفلاتر ومقارنة الصور اليومية بالنسخ المحسنة، يمكن أن تتراجع قدرة بعض المستخدمات على تقبل السمات الطبيعية، مثل الخطوط التعبيرية والندوب والتفاوتات اللونية.
وتلفت الباحثة رحمة محمود إلى أن تأثير الفلاتر لا يقتصر على العالم الافتراضي، بل قد يمتد إلى القرارات المتعلقة بالمظهر في الحياة الواقعية، خاصة عندما تتحول الصور المعدلة إلى نماذج تسعى النساء إلى محاكاتها من خلال الإجراءات التجميلية. ويطرح البحث في هذا السياق ظاهرة «خلل الملامح المرتبط بالفلاتر»، المعروفة إعلاميًا باسم Snapchat Dysmorphia، بوصفها تعبيرًا عن الانشغال بمطابقة المظهر الحقيقي لصورة رقمية جرى تعديلها.
كما يناقش البحث دور المؤثرين وصناع المحتوى في تعزيز هذه المعايير، من خلال تقديم صور مثالية قد لا تكشف عن استخدام الفلاتر أو الإجراءات التجميلية أو الرعاية الإعلانية. وقد يؤدي ذلك إلى مقارنة المتابعات بمظاهر لا تعكس بالضرورة الواقع، قبل توجيههن إلى شراء منتجات أو الاستعانة بعيادات تجميل، بما يربط بين التأثير النفسي والمصالح التجارية.
الخوارزميات واقتصاد الانتباه والعقاب الرقمي
وتخصص الباحثة جانبًا من الدراسة لآليات عمل الخوارزميات، موضحة أن سعي المنصات إلى زيادة المشاهدات والتفاعل يثير تساؤلات بشأن طبيعة المحتوى الذي يحظى بانتشار أكبر، ومدى تأثير ذلك في التنوع الجمالي والثقافي. ويطرح البحث مفهوم «التنميط الخوارزمي» للإشارة إلى احتمال تعزيز نماذج بصرية متكررة، بما قد يحد من حضور الصور التي تعكس اختلاف الملامح والأجسام والخلفيات الثقافية.
وفي هذا السياق، تناقش الدراسة مفهوم «العقاب الرقمي الصامت»، الذي تربطه الباحثة بما قد تتعرض له بعض الحسابات من تراجع في الوصول والانتشار، وما يمكن أن يترتب على ذلك من شعور بالتهميش أو الضغط لمجاراة المحتوى الرائج. ويطرح البحث هذه المسألة بوصفها أحد أوجه العنف الرمزي في الفضاء الرقمي، مع التأكيد على أهمية التمييز بين الفرضية التحليلية المتعلقة بالتنميط الجمالي وبين إثبات أن الخوارزميات تتعمد معاقبة النساء بسبب ظهورهن بملامح طبيعية.
ويرتبط ذلك، بحسب البحث، بمفهوم «اقتصاد الانتباه»، الذي يجعل وقت المستخدم وتفاعله عنصرين أساسيين في النموذج التجاري للمنصات. وتناقش الباحثة احتمال أن يؤدي التعرض المتكرر لمحتوى المقارنة الجسدية والمنتجات التجميلية إلى زيادة الانشغال بالمظهر، واستمرار البحث عن حلول رقمية أو تجارية تمنح شعورًا مؤقتًا بالرضا.
التأثيرات النفسية والاجتماعية والاقتصادية
ولا تحصر الباحثة رحمة محمود آثار المعايير الجمالية الرقمية في الجانب النفسي، بل تمتد بالدراسة إلى الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، موضحة أن الضغوط المرتبطة بالمظهر قد تتفاقم لدى الفتيات المراهقات، في مرحلة تتشكل فيها الهوية الشخصية ويتزايد تأثير الأقران. ويمكن أن تتحول المعايير الرائجة إلى وسيلة للمقارنة والتنمر داخل المدرسة أو الدوائر الاجتماعية، خاصة عندما يجري الحكم على الفتيات وفق مدى اقترابهن من صور الجمال المنتشرة على المنصات.
كما يتناول البحث ما يسميه «ديون الجمال»، في إشارة إلى الأعباء المالية التي قد تتحملها بعض النساء لمواكبة المعايير الجمالية السائدة، سواء من خلال شراء مستحضرات التجميل أو الخضوع لإجراءات تجميلية أو الاستعانة بخطط التقسيط والاقتراض. وترى الباحثة أن الضغوط الاجتماعية والرقمية قد تحول بعض هذه الاختيارات من رغبات شخصية إلى محاولات لتجنب الانتقاد أو الشعور بالإقصاء.
ويمتد النقاش كذلك إلى سوق العمل، حيث يشير البحث إلى احتمال تأثير المعايير غير المعلنة للمظهر في تقييم النساء داخل بعض المهن، تحت عناوين مثل «المظهر المهني» و«الصورة المؤسسية». ويحذر من أن تغليب الشكل الخارجي على الكفاءة والخبرة قد يرسخ أشكالًا من التمييز، ويضع أعباء إضافية على النساء اللاتي يسعين إلى التوفيق بين متطلبات العمل والضغوط المتعلقة بالمظهر.
الهوية البصرية للمرأة العربية
وتولي الدراسة اهتمامًا بالبعد الثقافي، من خلال مناقشة تأثير المعايير الجمالية المعولمة على الملامح والخصوصيات المحلية للمرأة العربية. وترى الباحثة أن انتشار نموذج جمالي واحد عبر المنصات قد يسهم في تراجع تقدير التنوع الطبيعي والثقافي، ويعزز الاعتقاد بأن بعض الملامح أكثر قبولًا من غيرها.
وفي هذا الإطار، تستخدم الدراسة مفهوم «الاستعمار الجمالي الرقمي» لوصف ما تعتبره إزاحة محتملة للمعايير المحلية لصالح قوالب عالمية تروج لها المنصات وصناعة التجميل. وتؤكد أن الهوية البصرية للمرأة لا تنفصل عن سياقها الثقافي والاجتماعي، وأن اختزال الجمال في مجموعة محددة من السمات قد يضعف الاعتزاز بالاختلاف، ويزيد الضغوط الرامية إلى تغيير المظهر لمجاراة الاتجاهات السائدة.
الأدلة التطبيقية والمسؤولية القانونية
وتستند الدراسة إلى عدد من الأمثلة والمراجع التي تناقش العلاقة بين المنصات الرقمية وصورة الجسد، من بينها الجدل المرتبط بتأثير إنستغرام على الفتيات المراهقات، المعروف في النقاش العام باسم «أوراق فيسبوك» (Facebook Papers)، إلى جانب الحالات المرتبطة باستخدام فلاتر التجميل والرغبة في محاكاة الصور المعدلة.
وتناقش الباحثة الحاجة إلى تطوير الأطر القانونية والأخلاقية المنظمة للإعلانات الرقمية، بما يحد من استغلال المخاوف المتعلقة بالمظهر، ويعزز الشفافية بشأن الصور المعدلة والمحتوى الترويجي. كما تدعو إلى مساءلة المنصات وشركات الإعلان وقطاع التجميل عن الممارسات التي قد تضر بالمستخدمات، مع ضرورة مراجعة الأدلة والإحصاءات الواردة في هذا الجانب قبل اعتمادها بوصفها نتائج علمية محسومة.
وتطرح الدراسة عددًا من المقترحات، تشمل تعزيز التربية الإعلامية والوعي النقدي بالصور الرقمية داخل المدارس والجامعات، وإطلاق حملات توعية تساعد الفتيات على فهم آليات التعديل البصري، ومواجهة التنمر القائم على الشكل، إلى جانب تشجيع الأسرة على تجنب المقارنات الجسدية وتعزيز ثقة الفتيات بأنفسهن. كما تؤكد أهمية دور المؤسسات التعليمية والمجتمعية والدينية في دعم تقبل التنوع، وتدعو إلى وضع ضوابط مهنية للإعلانات التجميلية، والنظر في آليات للفحص النفسي قبل الإجراءات التجميلية غير الضرورية طبيًا في الحالات التي تستدعي ذلك.
الجمال بين التنوع والضغط الرقمي
وتخلص الباحثة رحمة محمود إلى أن تأثير المنصات الرقمية في معايير الجمال يتجاوز حدود الصور والمقاطع المتداولة، ليمتد إلى علاقة المرأة بجسدها وهويتها واختياراتها الاستهلاكية والاجتماعية. فحين تتحول الصور المعدلة إلى معيار للمقارنة، قد يصبح الاختلاف الطبيعي مصدرًا للقلق بدلًا من أن يكون تعبيرًا عن التنوع الإنساني.
ويؤكد البحث أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب التعامل معها باعتبارها قضية تتداخل فيها التكنولوجيا والاقتصاد والثقافة والصحة النفسية، لا مجرد مسألة تتعلق بالاستخدام الفردي للهواتف. ومن ثم، فإن تعزيز الوعي بتأثير المحتوى الرقمي، وتطوير الضوابط الأخلاقية والقانونية، ومواجهة التنمر والتمييز المرتبطين بالمظهر، تمثل مسارات أساسية للحد من الضغوط الجمالية واستعادة مساحة أوسع من الحرية في التعبير عن الهوية الشخصية.
ويركز البحث في خلاصته على أن الجمال لا يمكن اختزاله في قالب بصري موحد، وأن حماية حق المرأة في الاختلاف تبدأ من إدراك أن الصور التي تعرضها المنصات ليست بالضرورة انعكاسًا للواقع، وأن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُقاس بمدى مطابقته لمعايير تجارية متغيرة.