في الوقت الذي يفترض أن يمثل التعليم الجامعي مساحة لاختيار المستقبل وبناء الاستقلال المهني، أثارت شروط القبول الجامعي في سوريا للعام الدراسي 2026-2027 جدلًا حول تخصيص عدد من الكليات والمعاهد والاختصاصات للطلاب الذكور دون الطالبات، بما يفتح نقاش أوسع حول حدود المساواة في الوصول إلى بعض المسارات التعليمية.
وتأتي القضية في بلد يحاول إعادة بناء مؤسساته بعد سنوات طويلة من الحرب، بينما تواجه الطالبات أنفسهن سؤالًا جديدًا: هل تستطيع الطالبة أن تختار تخصصها الجامعي وفق ميولها وقدراتها، أم أن بعض المسارات ستظل مرتبطة بجنس المتقدم؟
تخصصات متاحة للذكور دون الإناث
بحسب ما أوردته وكالة أوقات الشام الإخبارية في اكتوبر الجاري، أظهرت قوائم القبول الجامعي للعام الدراسي الجديد تخصيص عدد من الاختصاصات للطلاب الذكور دون الطالبات.
وشملت القوائم، وفق التقرير، تخصصات في العلوم القانونية والاجتماعية داخل كلية العلوم الإنسانية والإدارية، إلى جانب كلية العلوم الأمنية والمعهد التقاني للعلوم الأمنية.
كما ظهر التخصيص في عدد من المعاهد والتخصصات التقنية، من بينها المعهد التقاني للخطوط الحديدية، والمعهد التقاني للنفط والغاز، إضافة إلى اختصاص الإخراج الإذاعي والتلفزيوني في المعهد التقاني للإعلام.
وامتد الأمر إلى تخصصات مرتبطة بالعلوم والهندسات العسكرية والبحرية، بينها الهندسة الميكانيكية والإلكترونية والمعلوماتية والميكاترونكس والهندسة البحرية وهندسة الطيران.
ولا تبدو المشكلة هنا مرتبطة بتخصص أمني أو عسكري فقط، إذ إن إدراج تخصصات مدنية مثل العلوم القانونية والاجتماعية ضمن الاختصاصات التي لا تتاح للطالبات يوسع مساحة التساؤل حول المعايير التي تحدد أهلية النساء للالتحاق ببعض مجالات التعليم العالي.
بين طبيعة التخصص وحق الاختيار
التمييز بين الطلاب والطالبات في بعض البرامج قد يكون مرتبطًا بطبيعة المهنة أو شروط العمل اللاحقة، خصوصًا عندما تكون الدراسة مرتبطة بمؤسسات أمنية أو عسكرية، لكن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما تمتد القيود إلى مسارات تعليمية مدنية.
فالجامعة لا تمنح الطالبة شهادة فقط، وإنما تفتح أمامها طريقًا إلى سوق العمل وإلى موقع اجتماعي واقتصادي أكثر استقلالًا. وإغلاق باب تخصص معين يعني عمليًا إغلاق مسار مهني محتمل أمامها، حتى لو كانت مؤهلاتها الدراسية تسمح لها بالمنافسة عليه.
وتزداد أهمية هذه القضية بالنسبة إلى الطالبات في المحافظات والمناطق التي تعاني أصلًا من صعوبات الوصول إلى التعليم الجامعي، سواء بسبب تكاليف الدراسة أو النقل أو الظروف الاقتصادية.
فحين تكون الخيارات المتاحة أمام الفتاة محدودة، يصبح أي قيد إضافي على التخصصات بمثابة تضييق جديد على مساحة الاختيار.
سؤال أوسع من مقاعد الجامعة
وتقول تفاصيل إعلان الجامعة السورية للعلوم الأمنية، وفق ما نقلته وكالة أوقات الشام، إن بعض البرامج متاحة للذكور والإناث، بينما تظل برامج أخرى مخصصة للذكور فقط؛ فكلية الأمن السيبراني، مثلًا، متاحة للذكور والإناث، بينما كلية العلوم الأمنية مخصصة للذكور.
هذا التفاوت يعني أن المسألة ليست قاعدة واحدة تمنع الطالبات من التعليم المرتبط بالمجال الأمني أو التقني، وإنما شروط تختلف من برنامج إلى آخر.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: ما المعايير التي تحدد أن يكون تخصص معين متاحًا للطالبة وآخر غير متاح؟
كما أن غياب تفسير تفصيلي لهذه الفروق، بحسب التقرير، يزيد من مساحة الجدل، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بتخصصات مدنية لا تبدو طبيعتها في حد ذاتها مانعًا واضحًا أمام مشاركة النساء.
التعليم بوابة للاستقلال
بالنسبة إلى كثير من الفتيات، لا يمثل التخصص الجامعي مجرد اختيار أكاديمي، وإنما بداية لمسار اقتصادي واجتماعي طويل. فالتخصص يحدد نوع الوظيفة التي يمكن الحصول عليها، ومستوى الدخل المحتمل، وفرص الاستقلال المالي، وبالتالي مساحة اتخاذ القرار داخل الأسرة والمجتمع.
ومن هذه الزاوية، فإن النقاش حول إتاحة التخصصات الجامعية للطالبات يتجاوز جدران الجامعة ليصل إلى قضية أوسع تتعلق بمستقبل النساء في سوق العمل.
وفي بلد يحتاج إلى كوادر في مجالات متنوعة لإعادة بناء مؤسساته واقتصاده، تصبح مشاركة النساء في التعليم والتخصص والعمل جزءًا من معادلة إعادة البناء نفسها.
ولهذا فإن الجدل حول مفاضلة 2026-2027 لا يتعلق فقط بمن يحصل على مقعد جامعي، بل بالسؤال عن شكل الفرص التي ستُتاح لجيل جديد من السوريات، وعن الحدود التي يمكن أن ترسمها المؤسسات أمام خياراتهن التعليمية والمهنية.