في جنوب آسيا، قطعت النساء والفتيات مسافة طويلة في الوصول إلى التعليم، لكن ارتفاع مستويات التحصيل الدراسي لم يصاحبه بالقدر نفسه تحول في المشاركة الاقتصادية أو فرص الحصول على دخل مماثل للرجال.
وتكشف بيانات تقرير الفجوة العالمية بين الجنسين لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عن هذه المفارقة بوضوح، حيث يقول أغلقت منطقة جنوب آسيا 95.9% من فجوة النوع الاجتماعي في التعليم، بينما لم تتجاوز نسبة إغلاق الفجوة في المشاركة والفرص الاقتصادية 40.9%.
وبذلك تبدو الفجوة بين ما تحققه الفتاة في المدرسة أو الجامعة وما تستطيع الوصول إليه في سوق العمل واحدة من أبرز التحديات التي تواجه النساء في المنطقة.
تعليم أقرب إلى المساواة
تشير بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن جنوب آسيا سجلت تقدمًا كبيرًا في التحصيل التعليمي منذ بدء قياس الفجوة العالمية بين الجنسين.
وارتفع مؤشر التحصيل التعليمي في المنطقة بمقدار 15 نقطة مئوية منذ 2006، وهو أكبر تحسن بين المناطق الثماني التي يقارن بينها التقرير خلال الفترة نفسها.
وكان التعليم العالي من المجالات التي شهدت تغيرًا واضحًا؛ إذ ارتفعت المساواة في الالتحاق بالتعليم العالي في جنوب آسيا بمقدار 31.8 نقطة مئوية منذ 2006، وأصبحت معظم اقتصادات المنطقة قريبة من تحقيق التكافؤ بين الجنسين في هذا المؤشر، لكن هذا التقدم لا ينتقل تلقائيًا إلى سوق العمل.
فمؤشر المشاركة والفرص الاقتصادية في جنوب آسيا لا يزال عند 40.9% من الفجوة المغلقة، وهو أقل بكثير من مستوى التقدم في التعليم.
الشهادة لا تضمن وظيفة
توضح بيانات التقرير أن المشكلة لم تعد في الوصول إلى التعليم وحده، وإنما في قدرة الاقتصاد على استيعاب النساء المتعلمات وتحويل سنوات الدراسة إلى فرص عمل ودخل وترقٍ مهني.
فعلى الرغم من التحسن في تمثيل النساء في المهن المتخصصة والفنية، وكذلك في بعض المناصب الإدارية، لا تزال مؤشرات المشاركة في سوق العمل ونتائج الأجور والدخل أقل بكثير من مستوى التكافؤ.
ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المساواة في نتائج سوق العمل تراجعت على المدى الطويل، مع انخفاض مؤشرات المساواة في الأجور المقدرة والدخل المكتسب، بينما ظلت مشاركة النساء في قوة العمل مستقرة تقريبًا.
وهنا تظهر فجوة مختلفة عن فجوة التعليم: المرأة قد تصل إلى الجامعة، وتحصل على المؤهل، ثم تجد أن الانتقال من مقاعد الدراسة إلى الوظيفة ليس بالسهولة نفسها التي حققتها في التعليم.
مسؤوليات الأسرة وسوق العمل
لا يمكن تفسير الفجوة الاقتصادية من خلال التعليم وحده؛ فدخول المرأة إلى سوق العمل يرتبط أيضًا بتوزيع مسؤوليات الرعاية والعمل المنزلي، وبطبيعة الوظائف المتاحة، وبالقدرة على الاستمرار في العمل بعد الزواج والإنجاب.
وتظهر المشكلة بصورة مختلفة من دولة إلى أخرى داخل جنوب آسيا، لكن المؤشرات الإقليمية تكشف أن ارتفاع التحصيل التعليمي لم يكن كافيًا وحده لإغلاق الفجوة الاقتصادية.
وتقدم الهند مثالًا واضحًا على ذلك. فوفق تقرير 2026، حققت الهند تكافؤًا كاملًا تقريبًا في الالتحاق بالتعليم الثانوي والعالي، وبلغ مؤشر التحصيل التعليمي لديها 96.6%.
لكن مؤشر المشاركة والفرص الاقتصادية لم يتجاوز 41.2%، فيما بلغت المساواة في المشاركة في قوة العمل 44.1%.
أي أن المرأة الهندية تستطيع الوصول إلى التعليم بدرجة تقترب من الرجل، لكنها لا تحصل بالضرورة على فرصة مماثلة في سوق العمل.
وتكشف هذه الأرقام أن الاستثمار في تعليم الفتيات لا ينتهي عند المدرسة أو الجامعة؛ فالنتيجة الاقتصادية تعتمد على ما يأتي بعدها: وجود وظائف لائقة، وإمكانية الاستمرار في العمل، وفرص الترقية، وتقليص فجوات الأجور، وتوزيع مسؤوليات الرعاية بصورة لا تجعل المرأة تتحمل وحدها تكلفة الخروج من سوق العمل.
من نجاح التعليم إلى عائد اقتصادي
ويضع تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي دول جنوب آسيا أمام فجوة زمنية طويلة في مسار المساواة؛ إذ قدر أن المنطقة، بالمعدل الحالي، قد تحتاج إلى 149 عامًا للوصول إلى التكافؤ الكامل بين الجنسين.
لكن الأرقام نفسها توضح أن الطريق ليس متساويًا في جميع المجالات. فالتعليم تحرك بسرعة أكبر، بينما ظلت المشاركة الاقتصادية متأخرة.
وهذا يعني أن نجاح سياسات تعليم النساء لا يمكن قياسه فقط بعدد الفتيات في المدارس والجامعات، وإنما بما إذا كانت الشهادة ستتحول لاحقًا إلى وظيفة ودخل واستقلال اقتصادي وفرصة للوصول إلى مواقع صنع القرار.