arrow_forward العودة إلى الأخبار

من رعاية المنزل إلى إعالة الأسرة.. كيف غيرت الحرب أدوار النساء في السودان؟

دفعت الحرب في السودان منذ 2023 بعض النساء إلى إعالة أسرهن وإدارة الأموال واتخاذ قرارات تتعلق بالسكن والتعليم والعلاج بعد فقدان مصادر الدخل أو غياب المعيل بسبب النزوح أو الفقد. ومع استمرار الأزمة، اكتسبت النساء خبرات اقتصادية واتخاذ القرار، ما قد يؤثر على توزيع الأدوار داخل الأسرة حتى بعد انتهاء الحرب.

من رعاية المنزل إلى إعالة الأسرة.. كيف غيرت الحرب أدوار النساء في السودان؟

لم تدفع الحرب في السودان النساء إلى تحمل أعباء اقتصادية وأسرية إضافية فحسب، وإنما غيّرت في بعض الأسر طبيعة المسؤوليات نفسها، بعدما أدى فقدان مصادر الدخل والنزوح وغياب بعض المعيلين إلى انتقال مهام كانت تُسند تقليديًا إلى الرجل إلى النساء.
ويرصد تقرير نشرته «اندبندنت عربية» في  سبتمبر الجاري، استنادًا إلى شهادات نساء وباحثين اجتماعيين، كيف دفعت ظروف الحرب منذ أبريل 2023 بعض النساء إلى دخول سوق العمل وإدارة الأموال واتخاذ قرارات تتعلق بالسكن والتعليم والعلاج والإنفاق.

من إدارة المنزل إلى إعالة الأسرة

وتعرض الصحيفة في تقريرها شهادة ياسمين محمد، وهي سيدة في منتصف الثلاثينيات، قالت إن زوجها كان قبل الحرب يتولى المصاريف الأساسية للأسرة، بينما كانت هي تهتم بالأطفال والمنزل، لكن توقف عمله والنزوح دفعاها إلى البحث عن مصدر دخل.
وبحسب شهادتها الواردة في التقرير، بدأت العمل من المنزل في بيع بعض المنتجات، ثم توسع نشاطها، وأصبحت تدير المال وتدفع الإيجار وتوفر احتياجات الأطفال وتتابع علاجهم.
وتوضح الشهادة أن التغيير لم يكن واحدًا لدى جميع النساء؛ فهناك من فقدت زوجها، وأخرى أصبح زوجها مفقودًا، وثالثة نزح زوجها أو غادر البلاد بحثًا عن عمل، بينما بقيت هي مع الأطفال، إلى جانب أسر فقدت مصدر دخلها حتى مع بقاء الزوج داخل الأسرة.

مسؤوليات جديدة وخبرات مختلفة

وينقل التقرير عن الباحث الاجتماعي حمزة جمعة أن الحرب لا تعيد توزيع الموارد داخل الأسرة فقط، وإنما يمكن أن تعيد توزيع السلطة والأدوار أيضًا.
وبحسب الباحث، فإن النساء كن يشاركن في أنشطة اقتصادية قبل الحرب، لكن ظروف النزاع دفعت بعضهن إلى استخدام هذه القدرات بصورة أكثر مباشرة لتأمين احتياجات الأسرة، خصوصًا مع غياب المعيل أو فقدان مصدر الدخل والنزوح وتراجع الخدمات.
ويرى جمعة أن استمرار المسؤوليات يمكن أن يمنح النساء خبرات في إدارة الموارد والتفاوض والتنقل والتعامل مع المؤسسات واتخاذ القرارات المتعلقة بالأطفال، وهي مهام كانت في بعض الأسر تُسند إلى الرجل.
وتطرح هذه التحولات سؤالًا آخر يتعلق بما بعد الحرب: هل تعود الأسر تلقائيًا إلى الأدوار التي كانت قائمة قبل النزاع، أم أن المسؤوليات التي اكتسبتها النساء خلال سنوات الأزمة ستدفع إلى إعادة التفاوض حول توزيع الأدوار؟
وبحسب الباحثة الاجتماعية رجاء خالد، التي تحدثت إليها «اندبندنت عربية»، فإن الاستقلال الذي تكتسبه المرأة خلال الحرب يبدأ غالبًا من الحاجة وحماية الأسرة، وليس بالضرورة من التخطيط المسبق للاستقلال الاقتصادي، لكن استمرار التجربة قد يترك أثرًا في قدرتها على اتخاذ القرار.

ماذا بعد عودة الاستقرار؟

لا يقدم التقرير عودة الزوج إلى العمل باعتبارها عودة تلقائية إلى الوضع السابق، إذ يرى الباحثون الذين تحدثوا إليه أن المرأة التي تولت إدارة المال والإنفاق ورعاية الأطفال واتخاذ القرارات خلال سنوات الأزمة قد تحتاج الأسرة معها إلى صياغة جديدة لتوزيع المسؤوليات.
وتشير الشهادات الواردة في التقرير إلى أن بعض النساء بدأن العمل بسبب الحاجة إلى الطعام أو دفع الإيجار، لكنهن اكتسبن في الوقت نفسه خبرات جديدة في إدارة المال والعمل والتعامل مع السوق والمؤسسات.
وبذلك، فإن أثر الحرب على المرأة السودانية لا يظهر فقط في حجم الأعباء التي تحملتها، وإنما أيضًا في التغير الذي طرأ على موقعها داخل بعض الأسر، وهو تغير قد يستمر حتى مع تحسن الظروف الاقتصادية.