عندما اندلعت الحرب في لبنان، انشغلت الأخبار بأعداد القتلى والجرحى والنازحين، وبالبيوت التي دُمرت والمناطق التي أُخلي سكانها. لكن وسط هذه الصورة الكبيرة، بقيت فئة من النساء تكاد لا تظهر في المشهد: العاملات الأجنبيات اللواتي كن يعشن ويعملن في المنازل اللبنانية.
هؤلاء النساء لم يدخلن الحرب بصفة مقاتلات أو نازحات من مناطق القتال بالضرورة، لكنهن وجدن أنفسهن فجأة أمام خطر فقدان العمل والسكن والدخل، وأحيانًا أمام التخلي عنهن من الأسر التي كن يعملن لديها.
حين تفقد العاملة بيتها وعملها في وقت واحد
العاملات الأجنبيات في لبنان يرتبطن في الغالب بعقود عمل داخل المنازل، وهو ما يجعل السكن والعمل مرتبطين في كثير من الحالات بمكان واحد وبأسرة واحدة.
ومع تصاعد الحرب والنزوح، يصبح فقدان الوظيفة أكثر من مجرد خسارة اقتصادية؛ فالعاملة التي تفقد عملها قد تجد نفسها أيضًا بلا مكان آمن للإقامة، وبلا دخل تستطيع من خلاله شراء الطعام أو دفع تكاليف النقل أو العودة إلى بلدها.
وتزداد هشاشة الوضع عندما تكون المرأة بعيدة عن أسرتها وبلدها، ولا تملك شبكة اجتماعية واسعة يمكن أن تلجأ إليها في حالات الطوارئ.
بحسب تقرير نشره رصيف22، واجه عدد كبير من العاملات الأجنبيات تداعيات الحرب، في وقت تعرضن فيه للتهميش داخل برامج المساعدة والاستجابة للأزمة، بينما برزت تساؤلات حول الجهة التي تتولى مساعدتهن عندما تتخلى عنهن الأسر التي يعملن لديها أو عندما يعجزن عن الوصول إلى الخدمات الأساسية.
حرب لا تراهن على. الفئات الهشة
في أوقات الحرب، تتجه الاستجابة الإنسانية عادة إلى الفئات الأكثر ظهورًا في المشهد: الأسر النازحة، المصابون، الأطفال، وكبار السن. لكن العاملات المهاجرات قد يجدن أنفسهن في منطقة رمادية؛ فهن لسن دائمًا جزءًا من الأسرة اللبنانية التي يعملن لديها، وفي الوقت نفسه لا يمتلكن بالضرورة موارد مستقلة أو شبكات دعم محلية.
وهنا تظهر مشكلة أعمق تتعلق بمكانة العاملة المهاجرة داخل المجتمع.
فالمرأة التي تقضي سنوات في خدمة أسرة أخرى قد تكون جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية لتلك الأسرة، لكنها عند وقوع الأزمة قد لا تُعامل بالضرورة باعتبارها فردًا كامل الحقوق في منظومة الحماية.
وقد تتحول العلاقة من علاقة عمل إلى علاقة تبعية، خصوصًا عندما تكون الإقامة والدخل والطعام مرتبطة بالأسرة التي تعمل لديها.
التهميش لا يبدأ مع الحرب
الحرب لم تخلق هشاشة العاملات الأجنبيات من الصفر، لكنها كشفتها بصورة أكثر وضوحًا.
فالعاملة التي لا تملك دخلًا مستقلًا أو وضعًا قانونيًا مستقرًا أو شبكة اجتماعية قوية تكون أكثر عرضة لتبعات أي أزمة اقتصادية أو أمنية.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة والنقل والسكن، يصبح الانتقال من منزل إلى آخر أو البحث عن عمل بديل أكثر صعوبة، خصوصًا في بلد يمر أصلًا بأزمات اقتصادية متتالية.
كما أن اللغة واختلاف الجنسية وعدم معرفة تفاصيل النظام الإداري والقانوني يمكن أن تزيد من صعوبة طلب المساعدة أو الوصول إلى الجهات التي تقدمها.
نساء في قلب سوق العمل المنزلي وخارج دائرة الاهتمام
المفارقة أن هؤلاء النساء يؤدين أعمالًا أساسية داخل المجتمع، من رعاية الأطفال وكبار السن إلى أعمال النظافة والطهي والعناية بالمنزل، لكن قيمة هذا العمل غالبًا ما تختفي خلف جدران المنازل.
وفي زمن الحرب، تصبح أهمية هذا العمل أكثر وضوحًا، لأن توقفه ينعكس على الأسر التي تعتمد عليه، بينما تتحمل العاملة نفسها مخاطر فقدان مصدر رزقها.
ولهذا فإن قضية العاملات الأجنبيات ليست قضية هجرة فقط، ولا قضية عمالة منزلية فقط، بل قضية تتقاطع فيها حقوق المرأة والعمل والحماية الاجتماعية والتمييز واللجوء إلى المساعدة وقت الأزمات.
من يحمي النساء اللاتي لا يملكن صوت؟
تكشف الحرب في لبنان جانبًا من مشكلة أوسع: ماذا يحدث للنساء اللواتي يعشن خارج دوائر الحماية التقليدية عندما تقع الكارثة؟
العاملة المهاجرة قد لا تملك منزلًا خاصًا، ولا أسرة في البلد، ولا حسابًا مصرفيًا آمنًا، ولا قدرة على مغادرة منطقة الخطر بمفردها. وقد يكون صاحب العمل هو في الوقت نفسه مصدر السكن والدخل والطعام.
لذلك فإن إدماج هذه الفئة في خطط الاستجابة للأزمات لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره تفصيلًا ثانويًا، بل باعتباره جزءًا من حماية النساء الأكثر هشاشة.
فالحرب لا تميز دائمًا بين من يحمل جنسية البلد ومن جاء إليه للعمل، لكن أنظمة الحماية قد تفعل ذلك بصورة غير مباشرة.